الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

86

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

رأي من جعلوا وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ [ الحشر : 9 ] معطوفا على لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ [ الحشر : 8 ] جعلوا الَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ فريقا من أهل القرى ، وهو غير المهاجرين والأنصار بل هو من جاء إلى الإسلام بعد المهاجرين والأنصار ، فضمير مِنْ بَعْدِهِمْ عائد إلى مجموع الفريقين . والمجيء مستعمل للطروّ والمصير إلى حالة تماثل حالهم ، وهي حالة الإسلام ، فكأنهم أتوا إلى مكان لإقامتهم ، وهذا فريق ثالث وهؤلاء هم الذين ذكروا في قوله تعالى بعد ذكر المهاجرين والأنصار وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ [ التوبة : 100 ] أي اتبعوهم في الإيمان . وإنما صيغ جاؤُ بصيغة الماضي تغليبا لأن من العرب وغيرهم من أسلموا بعد الهجرة مثل غفارة ، ومزينة ، وأسلم ، ومثل عبد اللّه بن سلام ، وسلمان الفارسي ، فكأنه قيل : الذين جاءوا ويجيئون ، بدلالة لحن الخطاب . والمقصود من هذا : زيادة دفع إيهام أن يختص المهاجرون بما أفاء اللّه على رسوله صلى اللّه عليه وسلّم من أهل القرى كما اختصهم النبي صلى اللّه عليه وسلّم بفيء بني النضير . وقد شملت هذه الآية كل من يوجد من المسلمين أبد الدهر ، وعلى هذا جرى فهم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه . روى البخاري من طريق مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال : قال عمر : لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها ( أي الفاتحين ) كما قسم النبي صلى اللّه عليه وسلّم خيبر . وذكر القرطبي : أن عمر دعا المهاجرين والأنصار واستشارهم فيما فتح اللّه عليه وقال لهم : تثبتوا الأمر وتدبروه ثم اغدوا عليّ فلما غدوا عليه قال : قد مررت بالآيات التي في سورة الحشر وتلا ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى إلى قوله : أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [ 7 ، 8 ] . قال : ما هي لهؤلاء فقط وتلا قوله : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ إلى قوله : رَؤُفٌ رَحِيمٌ ثم قال : ما بقي أحد من أهل الإسلام إلا وقد دخل في ذلك اه . وهذا ظاهر في الفيء ، وأما ما فتح عنوة فمسألة أخرى ولعمر بن الخطاب في عدم قسمته سواد العراق بين الجيش الفاتحين له عمل آخر ، وهو ليس من غرضنا . ومحله كتب الفقه والحديث . والفريق من المفسرين الذين جعلوا قوله تعالى : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ [ الحشر : 9 ] كلاما مستأنفا ، وجعل يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ [ الحشر : 9 ] خبرا عن اسم الموصول ، جعلوا قوله : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ كذلك مستأنفا .